سيد محمد طنطاوي
102
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمعنى ، واذكر يا محمد للناس وقت أن قالت الملائكة لمريم - التي تقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا - يا مريم * ( إِنَّ اللَّه اصْطَفاكِ ) * أي اختارك واجتباك لطاعته ، وقبلك لخدمة بيته * ( وطَهَّرَكِ ) * من الأدناس والأقذار ، ومن كل ما يتنافى مع الخلق الحميد ، والطبع السليم * ( واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ) * بأن وهب لك عيسى من غير أب دون أن يمسسك بشر . وجعلك أنت وهو آية للعالمين . فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد مدح مريم مدحا عظيما بأن شهد لها بالاصطفاء والطهر والمحبة ، وأكد هذا الخبر للاعتناء بشأنه ، والتنويه بقدره . قال الفخر الرازي ما ملخصه : والاصطفاء الأول إشارة إلى ما اتفق لها من الأمور الحسنة في أول عمرها بأن قبل اللَّه - تعالى - تحريرها أي خدمتها لبيته ، مع أنها أنثى ولم يحصل مثل هذا المعنى لغيرها من الإناث ، وبأن فرغها لعبادته وخصها في هذا المعنى بأنواع اللطف والهداية والعصمة ، وبأن كفاها أمر معيشتها فكان يأتيها رزقها من عند اللَّه . . وأما الاصطفاء الثاني فالمراد به أنه - تعالى - وهب لها عيسى - عليه السّلام من غير أب ، وجعلها وابنها آية للعالمين » « 1 » . ولا شك أن ولادتها لعيسى من غير أب ودون أن يمسها بشر ، هو أمر اختصت به مريم ولم تشاركها فيه امرأة قط في أي زمان أو مكان ، فهي أفضل النساء في هذه الحيثية . أما من حيث قوة الإيمان ، وصلاح الأعمال فيجوز أن يحمل اصطفاؤها على نساء العالمين على معنى تفضيلها على عالمي زمانها من النساء وبعضهم يرى أفضليتها على جميع النساء في سائر الأعصار . هذا وقد أورد ابن كثير عددا من الأحاديث التي وردت في فضل مريم وفي فضل غيرها من النساء ، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان عن علي بن أبي طالب أنه قال : سمعت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يقول : « خير نسائها مريم بنت عمران ، وخير نسائها خديجة بنت خويلد » وروى الترمذي عن أنس أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون » وأخرج البخاري عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون . ومريم بنت عمران ، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام » « 2 » .
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 46 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 263 .